الشيخ محمد رشيد رضا
397
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قِصاصٌ . فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 49 ) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ، وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 50 ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ هذه الآيات من سياق التي قبلها والتي بعدها ، والغرض منها بيان كون التوراة كانت هداية لبني إسرائيل فاعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد ، وبيان مثل ذلك في الإنجيل وأهله ، ثم الانتقال من ذلك إلى ما سيأتي من ذكر انزال القرآن ومزيته وحكمة ذلك . ومنه يعلم أن العبرة بالاهتداء بالدين وانه لا ينفع أهل الانتماء اليه إذا لم يقيموه ، إذ لا يستفيدون من هدايته ونوره ، الا بإقامته والعمل به . وان ايثار أهل الكتاب أهواءهم على هداية دينهم ، هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به . قال تعالى * * * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ أي انا نحن أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى في العقائد والاحكام خرج به بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم ، وعلى نور أبصروا به طريق الاستقلال في امر دينهم ودنياهم يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا أنزلناها قانونا للاحكام يحكم بها النبيون - موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل - طائفة من الزمان ، انتهت ببعثة عيسى ابن مريم عليه السّلام . وهم الذين اسلموا وجوههم للّه مخلصين له الدين على ملة إبراهيم عليهم الصلاة والسّلام ، فالاسلام دين الجميع ، وكل ما استحدثه اليهود والنصارى من أسباب التفرق في الدين ، فهو باطل وضلال مبين . وانما يحكمون للذين هادوا أي اليهود خاصة ، لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة ، ولذلك قال